قرية القصب .. سلة غذاء اليمامة
تقع قرية القصب في قلب السعودية، على بعد نحو 150 كيلومتراً إلى الشمال الغربي من العاصمة الرياض، وهي واحدة من قرى إقليم الوشم الشهير، حيث تحظى بموقع مميز بالقرب من مدينة شقراء، إذ تبعد عنها نحو 30 كيلومتراً.
وقد ذكر "الحموي" في كتابه "البلدان"، أن القصب تعد من أرض اليمامة التاريخية، في حين أشار المؤرخ الكبير محمد بن بليهد، إلى موقعها بين "الشعب والعقلة"، موضحاً أنها من قرى اليمامة الشهيرة.
وقد عرفت القصب قديماً باسم "القصيب"، ويقال إن غالبية إنتاجها الزراعي يرتكز على محصول البر خاصة القمح.
إذا أردنا تحديد موقعها بدقة، فإن القصب تقع عند نقطة التقاء خط الطول 45 درجة شرقاً مع خط العرض 25 درجة شمالاً، وتربض القصب على أرض منبسطة تعرف بـ"الكميدية"، تحيط بها جبال "صويق" من الشمال، بينما تمتد من الغرب والجنوب رمال "صريف الجبل"، أو كما يطلق عليها "رملة الرغام".
وتشتهر القصب بإطلالتها على "أنف بارك"، وهو من أبرز أنوف جبال صويق، والذي يسمى "الأوباليس"، وتشير الإحصاءات الأخيرة إلى أن عدد سكانها يتجاوز 5500 نسمة.
تذكر بعض الدراسات التاريخية أن نشأة القصب تعود إلى العصور ما قبل الإسلام، وأن تسمية القصب قد قُت في نحو عام 700هـ، وقبل ذلك إلى القول بأن هذه البلدة قد كانت موطناً للجذب السكاني منذ مئات السنين، نظراً لما تتمتع به من موارد طبيعية متنوعة مثل الملح، والأودية، والشعاب.
وفي العصور القديمة كانت القرى العربية تعتمد في أسوار حماية حياتها، وقد أحاط بالقصب سوران؛ الأول يحيط بالمنازل الشمالية الشرقية، والآخر يحيط بالبلدة نفسها.
وكان سكان القصب قديماً يعيشون مجتمعاً متنوعاً بين قسمين: القصب القديمة، التي تتميز بغالبية بيوتها الطينية، والقصب الجديدة، التي شهدت تطوراً على مر الزمن، وكان لبعض القرى الحديثة أزقتها الضيقة وشوارعها المتعرجة، وذلك نظراً لغياب التخطيط الهندسي الذي كان سائداً في تلك الحقبة.
على مر العصور، اشتهرت القصب بكونها مركزاً زراعياً منتجاً، لا سيما في مجال إنتاج القمح والملح، وقد لعبت دوراً مهماً في الأمن الغذائي بالمنطقة، إذ يشتهر إنتاجها من ملح الرسمر المعروف بجودته، فضلاً عن الطعام الذي أطلق عليه "الذهب الأبيض".
ومنذ القدم، ساهمت القصب في تزويد العديد من المدن والقرى في السعودية باحتياجاتها من الملح، بل وتعدت صادراتها المحلية لتصل إلى اليمن ودول الخليج العربي. وكان الملح ينقل في الماضي على ظهور الجمال، ثم استبدل النقل بالسيارات.
وفي تطور آخر أقيم في القصب مصنع "زاد" لتكرير الملح، الذي يستخدم أحدث التقنيات والمواصفات العالمية في إنتاج وتعبئة ملح الطعام بأحجام مختلفة وبجودة عالية. وقد شهدت عمليات استخراج الملح تحسناً ملحوظاً مع تطور الآليات، إذ كانت الطرق القديمة لاستخراج الملح شاقة وتستدعي جهداً كبيراً من العمالة، ولكن مع استخدام الآليات والمضخات انخفضت التكاليف، وأصبح إنتاج الملح أكثر سهولة وكفاءة.